تجربة 48 ساعة من غير أجهزة.

كانت فكرة عابرة لأدمي ملقى على السرير منذ يوم وثلاث ساعات ، كان النظر لشاشة الجوال يذكّرني بامتعاضي ، بمشاعر كنت أسعى ان أتحاشاها طيلة اليوم وتعود لتستولي علي بمجرد ان تحتضنه يدي ، لذا ، فكرت ان الابتعاد قليلًا عن الصخب المحشورفي تلك الخرد قد يبدو مريحًا في حالتي وقتها ، بدأ الأمر ظهرًا عند ال12 وخمسة عشر ، خمس وعشرين ، عمومًا ، بدا الأمر مملًا  إلى حد التراجع في البداية لكنه مريح إلى حد استحمال الملل في سبيل تلك الرواحة التي كانت تعتريني في صدري ، أول ما قدمته لي تلك التجربة أن جعلتني أنهض من سريري قبل ان اتعفن ، فكرت كثيرًا ذلك اليوم أكثر من أي وقت مضى ، بدا كل شئ مناسبُا للتأمل ، نقوش الستارة المخرمة ، بقع الشاي المسكوبة على السجّاد، حتى إنني تأملت في بيضتي المقلية عند أكلها بعدما كنت آكلها بيميني وأبحلق في شاشة الجوال بيسراي، كنت كمن استيققظ فجأة من سبات بعيد ، أو كغريب حلّ محلًا جديدًا ، تسرقني تفاصيل المعيشة في بيتنا الذي عشت فيه ثمان عشرة سنة للمرة الأولى !

كنت أعيش لوحدي أيضًا في الصالة التي كان يجلس فيها ستة أفراد غيري ، اتأمل الاحتلاف في طرق احتضانهم لهواتفهم ، أمي لاتزال تقدّس التلفاز ، تنتظر حلقات المسلسلات بفارغ الصبر ، يضايقها أخي بانتظار انتهاء الحلقة ليستولي على التلفاز لاستخدامه كشاشة تشغيل لأقراص الألعاب ، أستمع إلى ذات السيناريو يوميًا لكنني أشاهده للمرة الأولى اليوم.

يصير الوقت ابطئ بشكل مخيف ، ثاني ماقدمته لي التجربة أن رتبت مكتبي بعد أن قطعت وعود أبدية لأمي منذ أربعة أشهر بأن أفعل، صنّفت الكتب المرمية بين الثياب والمعلقة أعلى الستار للمرة الأولى ، اللابتوب على يسار الطاولة أمام صندوق الألوان ، دفاتر الرسم على اليمين ، وضعت ورقة بيضاء في المنتصف يعلوها قلم رصاص تخطيطًا للوحة جديدة ، كان كل شئ يبدو مثاليًا للبدء من جديد ، الحياة من جديد.

أغرب ما عايشته في التجربة كان عند مغادرة المنزل ، الاستعداد بدا أسرع بدل الانخراط في شحن الجوال وتجهيز سلك الشحن والشاحن المتنقل وشحن جهاز الإنترنت مما أسهم في سهولة الوصول لبقايا محتويات الشنطة بدل الغوص فيها ، كنت أشكو من الخفة في المسير حقيقةً، عادت متلازمة التأمل من جديد في وجوه المارة الحقيقية ، في المباني المتهالكة ، بدت النخيل عميقة هذه المرة أعمق من أي مرة أخرى نظرت لها من خلفية الجوال لالتقاط صورتها ، قرصتني أمي بعنف معهود عن سبب إغلاقي هاتفي كأنني ميتة لا أجيب اتصالها ، علّ عصابة اختطفتني أو “هندي” كما تعتقد أبدًا اغتالني ، أمي التي تختنق قلقًا من هاتفي المغلق ، ليتها حررتني من قلق الهاتف المفتوح وإشعارات الرسائل النصية.

النوم بدا قصة غريبة أيضًا ، عندما استلقى ظهري مصافحًا السرير ، نظرت لبرهة نحو السقف ، مالذي نسيته؟ مالحلقة التي سقطت سهوًا من سلسلة الوقت ؟ كنت أشعر أنني على موعد في هذا الوقت كل يوم ، وقتٌ طويل استغرقته لأعي أن موعدي كان ساعتين قبل النوم على الجوال ، وقتٌ أطول أيضًا استغرقته لمعالجة الأمر ، مالبديل؟ نسيت خطوات النوم السهلة ، بدل وعورة الشاشات المضيئة في الظلمة ، آخر الخطوات التي أذكر تبدأ بمناحة سحب الضحايا من الصالة حتى غرفة النوم في العاشرة أو الثانية عشر من عمري ، لطالما أشفقت على أمي لاضطرارها لرفعي وجرّي وقد كنت أزن أخي وأختي مجتمعين ، بعدما صار رفعي مستحيلًا وكانت تضاريسي الأنثوية لا تسمح لأبي برفعي أيضًا لجأت لمن يجرّني نحو سريري برضاي نوعًا ما ، كان هاتفي يفعل، واليوم أنام من غير جرّ.

الجزء الأفضل كان استقبال الصباح من غير منبه إشعار رسالة أو رنة ، يبدو كل شئ منتظمًا مناسبًا للبدء من جديد، يمكنني شرب الشاي ساخنًا من غير اكتراث لزاوية الصورة التي سألقتطها وأعلمّ عليها ب” صباح الخير سنابز”، ه.

خرجت من التجربة بعدة مخارج جيدة ساعدتني كثيرًا في ملئ بعض الفراغات وتصحيح ما خرج عن السطور، قررّت إثرها استبدال التدوين في ملاحظات الجوال بدفتر ملاحظات صغير في شنطتي أدون فيه بعض الخطط التي لن تنجز ، يذكّرني بالكتابة حين أحتاج أن اتنفّس ويختفي الهواء مجددًا حولي ، قررّت أن لا أنسى تذكير نفسي بانني أعيش على مكان أفضل من المكان المحشور بين صفيحة في يدي لذا سأعيد تكرار التجربة مرة كل أسبوع، قررت أن أقلل من استهلاك كاميرا الجوال واستبدالها بعيني ، هذا بفضل النخلة التي أرتني أنها تبدو أزهى في عيني بدلًا من النخلة الراكنة في استيديو الصور

هذا كل شئ.

Advertisements

One thought on “تجربة 48 ساعة من غير أجهزة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s